لم يعد فن الجرافيك المطبوع مقلِداً أو وسيلة توضيح، بل اتخذ استقلالاً يميزه عن كل الفنون، استقلالاً جعله يرتبط بتطور التقانة والتقنية في كل مناحي الحياة. وهذا الاستقلال والتفرد في طرح الفكرة والموضوع الجرافيكي وكيفية طباعته جاء مواكباً لكل التغيرات التي تؤثر على الأساليب والتقنيات اليدوية والآلية والرقمية واستخدام مختلف الخامات والمواد الحديثة من اجل تقديم الرسالة المضمونية لواقع هذا الفن العريق، خاصة وان هذا التطور الكبير مليء بالتجديد والابتكار والتحدي، من هنا يمكننا القول أن فن الجرافيك الحديث قد دخل وبكل وسائله وطرقه التقليدية معترك التطور والتغيير ليواكب خضم هذه المتغيرات التقانية والأسلوبية، فما كان من فناني الجرافيك في عالم اليوم إلا أن ينخرطوا في تيار التطوير والتغيير، ففي ذلك ضمان للعمل الدائم والمستمر لشمولية جميع مواضيعه تمشياً مع خامات اليوم وتقنيات الحاضر خاصة وأن عالم العولمة التقنية قد أزاح كل الحدود والحواجز منتشراً بين قارات العالم. ومن منطلق هذا المفهوم التطوري، فإن الأفكار الإبداعية التي تساهم في تكوينها الخامات والتقانات تصبح واسعة الانتشار بين المهتمين بهذا النوع من الفن وذلك بفضل المعارض والبيناليات ومن خلال شبكة الإنترنت وغيرها من وسائل الانتشار، وعلى أساس هذه المفاهيم الرئيسة وتبادل التجارب والخبرات بين هؤلاء الفنانين، تتطور وبشكل سريع جداً تفاصيل العمل الفني وتقنياته وتتجدد الأفكار والمبادرات الفردية والجماعية وبهذا يزداد التأثر التطويري على هذا الفن ليكون فن تصميم وطباعة الجرافيك فن العصر الذي يروي مضمونه بذاته.
ولما كانت التقنيات والخامات تكاد تكون عديدة فهي مصدراً هاماً لتداعيات التفكير الإبداعي المختلفة، وقد بحثت هذه الدراسة في الخامات والتقانات والمواد وكيف ساهمت وقدمت تأثيرها المباشر وغير المباشر في المستوى الإبداعي والتعبيري للإنتاج الفني الجرافيكي المطبوع،وقد ركزت الدراسة على بيان كيفية تغيير التقنية والخامة والأسلوب وتطويرهما للوصول إلى القيمة الإبداعية والطاقة التعبيرية التي ينشدها الفنان، كما تطرقت الدراسة إلى ما استجد من تطور في المجالات التقنية في القرن العشرين والحادي والعشرين، حيث عرضت الدراسة عدد من الأعمال الإبداعية التي ساهمت الخامة والتقنية في تحقيقها.
وهدفت هذه الأطروحة البحثية إلى دراسة نشأة وتطور وتطوير وتوظيف الأساليب والتقنيات والخامات في عملية إنتاج الأعمال الجرافيكية المطبوعة بوسائل وتقنيات متنوعة، وجاءت لتبحث في موضوع التقنية ومضامينها وكيفية تطويرها وأثر ذلك التطوير على المنتج الطباعي من حيث القيمة التعبيرية والإبداعية والشكلية، وقد تم التركيز على تسمية التقنيات بمسمياتها الأصيلة التقليدية المتعارف عليها وما تم استنباطه منها كفروع ثانوية تندرج تحت المسميات الأصلية، وما انبثق عنها من تطورات ومسميات تقنية جديدة استطاعت تقديم حالات إبداعية جديدة، حيث أصبحت التقنيات الجديدة والمجددة تلعب دوراً هاماً يجمع ما بين الشكل والتقليدي وبين الحالة الإبداعية، أي الجمع ما بين قراءة المضمون والناحية الجمالية إضافة إلى التقنية المستخدمة في العمل الفني المطبوع، كما أكدت الدراسة البحثية في هذه الرسالة على الأهمية الإبداعية للتقانات التقليدية ودورها التاريخي وإمكاناتها التعبيرية والجمالية والتي قدمت أعمالاً فنية طباعية عملاقة في مضامينها الإنسانية والتعبيرية والفكرية ومواكبتها الأكثر حضوراً في جميع مناحيها وموضوعاتها وتقنياتها وتعبيراتها لمسيرة التاريخ البشري وتاريخ الفن خصوصاً، حيث كان عمالقة الفن التصويري في الغالب هم عمالقة فن الحفر والطباعة والجرافيك أيضاً وذلك في معظم البلدان التي شكلت مراكز إشعاع فني استقطب التاريخ الإبداعي بأكمله، ولا زالت هذه التقنيات التقليدية مرجعيات ثقافية في جميع الأكاديميات العلمية، تضخ المعارف وترسم آفاق التطورات الجرافيكية في تصميمها وإنتاجها البصري والتعبيري والجمالي، وتشكل المعايير الأصيلة في الإرث الإنساني الخلاق والذي يدعونا للقول بكل تأكيد، أنه لولا المؤهلات الإبداعية للتقانات التقليدية لم نصل إلى ما وصلنا إليه في العصر الحالي من آفاق إبداعية ورؤى مستقبلية خلاقة، ولا بد من الاعتراف بأن أيقونات الحفر التقليدية لم تكن صوراً متحفية فحسب، بل كانت وستبقى معالم ثقافية ومفاهيمية وتقنية وَضضعت البنى التحتية الأساسية لمستقبل الابتكار الخلاق في الفكر الإنساني الفني.
وحدد الباحث مشكلة الدراسة بالحاجة الماسة إلى توظيف التطور السريع والكبير في عالم التقانات والتقنيات والمواد والخامات للتوصل إلى نماذج إبداعية تنطلق من المفهوم التقليدي والمألوف في عالم الفن الجرافيكي المطبوع، وصولاً إلى إبداعات العصر المواكبة لكل أشكال التقدم المضطرد في عالم التقانة في عصرنا الحالي، وما يشهده الغرب من تطوير مستمر على كل أنواع الفنون البصرية والتطبيقية. وقد قدم الباحث وفي الجانب النظري، تقنيات وآليات ومواد وخامات تقليدية كمفاهيم جديدة في عالم الفن الجرافيكي والطباعة، وقام الباحث بتقديم وتحليل وبيان أثر هذه التقنيات على الناتج الفني من النواحي الإبداعية والتعبيرية والشعورية والوجدانية وكيفية تحقيقها من خلال دراسة تحليلية وأمثلة نظرية وعملية قدم فيها الباحث العديد من تجارب الفنانين في مجال الجرافيك.